فراقشية الدواء أم فراقشية الابتزاز؟.. حين يتحول النشاط المهني لحميد وهبي إلى مادة لاستهداف الرجل سياسيا
فراقشية الدواء أم فراقشية الابتزاز؟
مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية، واقتراب انطلاق الحملة الانتخابية بدائرة أكادير إداوتنان، بدأت بعض الملفات المرتبطة بالمرشحين تعود إلى الواجهة، وفي مقدمتها الملفات التي تتقاطع فيها السياسة مع الحياة المهنية والاقتصادية للفاعلين السياسيين.
ولا يمكن الحديث عن البرلماني حميد وهبي والمرشح للانتخابات التشريعية المقبلة بدائرة أكادير إداوتنان، دون التوقف عند البعد المهني في مساره، خصوصاً أن هذا الجانب ظل يحضر باستمرار في النقاش السياسي المحيط بالرجل، سواء من خلال انتقادات مشروعة تهم طبيعة نشاطه الاقتصادي، أو من خلال ما يبدو أحياناً توظيفاً سياسياً لمهنته، وهو توظيف لا يستقيم بالضرورة مع نقاش مهني موضوعي.
ومن هذا المنطلق، فإن مقاربة هذا الملف تقتضي الفصل بين حميد وهبي الصيدلي والمستثمر في مجال الأدوية، وبين حميد وهبي السياسي والبرلماني، ومحاولة فهم طبيعة العلاقة بين المجالين بعيداً عن الأحكام الجاهزة والتوصيفات الانتخابية.
فالبعض يصف وهبي بشكل مباشر بأنه “فراقشي الأدوية”، وهي عبارة ثقيلة في مدلولها، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد توصيف انتخابي عابر، لأنها تتضمن اتهاماً محدداً يحتاج، حتى يكون ذا مصداقية، إلى وقائع وأرقام ووثائق تثبته.
ولهذا، فإن العودة إلى بعض الفاعلين والمقربين من قطاع الأدوية تكشف أن قصة أسعار الأدوية في المغرب أكثر تعقيداً من اختزالها في اسم شخص أو شركة، وأنها ملف شائك تتداخل فيه الدولة والمختبرات والمصنعون والموزعون والصيدليات، فضلاً عن عوامل مرتبطة بالاستيراد والملكية الفكرية والضرائب وتكاليف الإنتاج والتوزيع.
وتؤكد مصادر من القطاع أن تحديد أسعار الأدوية في المغرب يخضع لمنظومة قانونية وتنظيمية تشرف عليها السلطات المختصة، وبالتالي فإن المختبرات والمصنعين والموزعين لا يملكون، كل واحد منهم بشكل منفرد، إمكانية تحديد السعر النهائي وفقاً لرغباتهم الخاصة.
وبهذا المعنى، فإن مختبر حميد وهبي، شأنه شأن باقي المختبرات العاملة في السوق، يشتغل داخل منظومة مؤطرة قانونياً، ولا يمكن افتراض أن صاحب المختبر يستطيع ببساطة وضع الأسعار التي يريدها أو تغييرها خارج القواعد المعمول بها.
أما المقارنات التي تطرح أحياناً بين أسعار بعض الأدوية في المغرب وأسعارها في دول أخرى، فتحتاج بدورها إلى قراءة دقيقة. فكون دواء معين يباع في بلد أجنبي بسعر أقل أو أعلى لا يعني بالضرورة أن الفاعل المغربي هو من يتحكم في ذلك الفارق.
ففي العديد من الحالات، يكون الدواء مملوكاً لمختبر أو شركة دولية صاحبة حقوق الملكية الفكرية وبراءة الاختراع، وهي التي تحدد سياساتها التجارية والأسعار التي تعتمدها في مختلف الأسواق، مع اختلاف شروط كل دولة من حيث الضرائب والاستيراد والتوزيع وهوامش المتدخلين.
وبالتالي، فإن مقارنة رقمين فقط، أحدهما في المغرب والآخر في بلد أجنبي، دون وضعهما داخل السياق الاقتصادي والقانوني والتجاري لكل سوق، قد تقود إلى استنتاجات مضللة أكثر مما تقدم أجوبة حقيقية.
ماذا عن التوزيع؟
أما في ما يتعلق بنشاط التوزيع، وهو من أبرز المجالات التي ينشط فيها حميد وهبي، فإن الصورة بدورها تحتاج إلى كثير من التدقيق.
فبحسب المصادر نفسها، فإن الموزع لا يصنع الأدوية التي يبيعها، وإنما يتعامل مع منتجات مختبرات مختلفة، وتكون الأسعار وهوامش الربح خاضعة للقواعد المؤطرة للقطاع، قبل أن تصل هذه المنتجات إلى الصيدليات.
كما أن الموزعين يواجهون بدورهم تكاليف تشغيلية مهمة، من بينها النقل واللوجستيك والمحروقات والموارد البشرية والتخزين، وهي أعباء لا يمكن تجاهلها عند الحديث عن هامش الربح الحقيقي.
ومن هنا، فإن تقديم الموزع باعتباره الحلقة التي تتحكم وحدها في السعر النهائي للدواء، أو تصويره باعتباره المسؤول المباشر عن كل ارتفاع في الأسعار، يختزل سلسلة اقتصادية ومهنية كاملة في طرف واحد.
بل إن السؤال الذي ينبغي طرحه، إذا كانت هناك فعلاً اختلالات في هذا المجال، هو: أين تبدأ مسؤولية كل متدخل وأين تنتهي؟ ومن يحدد السعر؟ ومن يحدد الهوامش؟ وأين تقع المراقبة؟ ومن يملك صلاحية التدخل عند وجود تجاوزات؟
هذه الأسئلة لا يمكن أن تجيب عنها الحملات الانتخابية ولا منشورات مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما تحتاج إلى المؤسسات والوثائق والأرقام ونتائج المراقبة.
من النقاش المهني إلى التوظيف السياسي
المفارقة أن هذا الملف يبدو أكثر حضوراً كلما اقترب موعد الانتخابات، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال مشروع حول طبيعة استعماله: هل يتعلق الأمر فعلاً بنقاش يروم الدفاع عن القدرة الشرائية للمواطنين وحقهم في الحصول على الدواء بأسعار مناسبة، أم أن المهنة تتحول أحياناً إلى مدخل لاستهداف سياسي لشخص يستعد لخوض منافسة انتخابية؟
لا أحد فوق المساءلة، وحميد وهبي، باعتباره برلمانياً ورجل أعمال في الوقت نفسه، ليس استثناءً من حق الرأي العام في مساءلته عن مصالحه الاقتصادية وطبيعة أنشطته المهنية. لكن المساءلة شيء، وتوجيه اتهامات قطعية دون أدلة شيء آخر.
وإذا كان هناك من يملك وثائق أو فواتير أو معطيات تثبت وجود تلاعب في الأسعار أو مخالفة للقانون، فالمسار الطبيعي هو وضعها أمام الجهات المختصة، بدل تحويلها إلى مادة انتخابية موسمية.
وفي المقابل، فإن الحديث عن احتمال توظيف هذا الملف للضغط على الرجل أو ابتزازه سياسياً يظل بدوره مجرد احتمال ما لم تدعمه وقائع وأدلة واضحة، لأن الاتهام بالابتزاز لا ينبغي أن يتحول هو الآخر إلى أداة سياسية مضادة.
لجان المراقبة… والوثيقة هي الفيصل
وفي خضم هذا السجال، تطرح مصادر من محيط حميد وهبي معطى آخر يستحق التوقف عنده، يتعلق بكون شركاته خضعت، بحسب إفادتها، لعمليات افتحاص ومراقبة من طرف لجان مركزية في مناسبات مختلفة، وتقول إن هذه العمليات لم تكشف، وفق ما تؤكده المصادر، عن اختلالات من النوع الذي يروج له خصومه، خصوصاً على مستوى الالتزامات القانونية والضريبية.
غير أن هذه المعطيات، مثلها مثل الاتهامات الموجهة إلى الرجل، تظل في حاجة إلى الوثيقة الرسمية حتى تتحول من مجرد إفادة إلى حقيقة قابلة للتحقق.
وهنا بالضبط تكمن أهمية الصحافة المهنية: لا الدفاع عن رجل أعمال لأنه سياسي، ولا إدانته لأنه منافس انتخابي، وإنما البحث عن الوثيقة، ومساءلة كل الأطراف، ووضع الوقائع أمام الرأي العام كما هي.
فإذا كانت هناك مخالفات، فلتظهر نتائج المراقبة ولتترتب المسؤوليات وفق القانون، وإذا لم تكن هناك مخالفات، فمن حق المعني بالأمر أيضاً ألا يتحول إلى هدف دائم لاتهامات غير موثقة.
فراقشية الدواء أم فراقشية الابتزاز؟
في النهاية، يبدو أن السؤال الحقيقي ليس فقط هل هناك “فراقشية” في سوق الأدوية؟ بل أيضاً، من المسؤول عن تحديد الأسعار؟ وكيف تشتغل هذه المنظومة؟ وما حقيقة هوامش كل متدخل؟ ومن يراقب القطاع؟ وهل توجد وثائق تثبت الاتهامات التي توجه إلى هذا الفاعل أو ذاك؟
أما أن يتحول ملف حساس يمس صحة المغاربة وقدرتهم الشرائية إلى شعار انتخابي، فذلك قد يبعد النقاش عن جوهره الحقيقي.
فالدواء ليس مادة للمزايدة السياسية، كما أن رجل الأعمال الذي يدخل غمار الانتخابات لا ينبغي أن يتحول نشاطه المهني إلى حصانة من النقد أو إلى ذريعة لتوجيه اتهامات بلا دليل.
وبين “فراقشية الدواء” و”فراقشية الاتهامات والابتزاز” تظل الحقيقة في مكان واحد: الوثيقة أو الدليل.
وفي النهاية، يبقى الناخب هو الحكم، فهو لا يحتاج إلى إشاعة حتى يختار، ولا إلى تشهير حتى يقرر، وإنما يحتاج إلى معلومة صحيحة، ووثيقة واضحة، وحصيلة قابلة للتقييم، وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي ينبغي أن تخضع له كل الأسماء المتنافسة في دائرة أكادير إداوتنان وفي كل الدوائر بالمملكة، بما فيها حميد وهبي.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع موقع رداربريس الإخباري لمعرفة جديد الاخبار