عبد اللطيف وهبي.. من الوزير المثير للجدل إلى “رجل المغرب” في مواجهة إسبانيا بالملفات السيادية الحساسة
في الوقت الذي يختار فيه عدد من المسؤولين الحكوميين الابتعاد عن واجهة المواجهة، يواصل وزير العدل عبد اللطيف وهبي، ابن مدينة تارودانت، الظهور في مقدمة الملفات التي تفرض خطاباً سياسياً واضحاً ومباشراً، سواء تعلق الأمر بالنقاش الداخلي أو بالقضايا التي تتجاوز حدود المملكة.
وهبي، الذي ظلت سهام النقد موجهة إليه من داخل المشهد السياسي والإعلامي، تحول مع مرور الوقت إلى واحد من أكثر الوزراء إثارة للجدل وأكثرهم قدرة على الدخول في المواجهة المباشرة، مستنداً إلى خطاب صريح لا يخلو من الجرأة، وإلى استعداد لتحمل تبعات مواقفه وقراراته، حتى عندما يتعلق الأمر بملفات تضعه في مواجهة خصوم سياسيين وإعلاميين.
ولم تتوقف هذه المواجهة عند حدود العمل الحكومي، إذ سبق لوزير العدل أن اختار اللجوء إلى القضاء في مواجهة عدد من المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي، على خلفية ما اعتبره استهدافاً له ولحياته الخاصة وأسرته، في خطوة عكست عدم استعداده للتراجع أمام حملات الضغط أو التخويف من انعكاس المواجهة على صورته السياسية أو الحزبية.
لكن اللافت اليوم هو انتقال وهبي من جبهة السجال الداخلي إلى واجهة مواجهة خطاب إعلامي وسياسي إسباني، خصوصاً في ظل الجدل المرتبط بأحداث سبتة المحتلة وملف الهجرة والقاصرين والجثامين.
ففي تصريحات لقناة “العربية”، قدم وزير العدل مواقف الرباط بشكل مباشر، مؤكداً أن معالجة أزمة الهجرة غير النظامية بين المغرب وإسبانيا لا يمكن أن تقوم على المقاربة الأمنية وحدها، باعتبار أن الظاهرة تحتاج إلى معالجة شاملة ومستدامة، تقوم على التنسيق وتحمل المسؤولية المشتركة بين البلدين.
وهبي لم يكتف بتشخيص الوضع، بل وجه رسائل واضحة بشأن ملف المهاجرين الذين يلقون حتفهم، مؤكداً تمسك المغرب بطلب استلام المهاجرين، سواء كانوا أحياء أو أمواتاً، مع رفض نقل جثامين مجهولة الهوية إلى الأراضي المغربية من دون اتفاق رسمي مسبق ومعطيات موثقة تسمح بتحديد هوية أصحابها.
وفي هذا السياق، شدد الوزير على أن الجانب الإسباني لم يبلغ نظيره المغربي بالأعداد الدقيقة للوفيات، معتبراً أن تسليم الجثامين لا يمكن أن يتم خارج إطار واضح يضمن تقديم البيانات المتعلقة بهوية كل حالة والظروف المرتبطة بها.
كما أثار وهبي مسألة القاصرين، مبرزاً أن تدبير ملف الهجرة بين الضفتين لا يمكن أن يستمر بمنطق أحادي، خصوصاً في ظل وجود حملات تستهدف الشباب وتغريهم بمحاولات الهجرة، الأمر الذي يستدعي، وفق طرحه، تنسيقاً عملياً بين البلدين وتفكيك منظومات الإغراء والتحريض، بدل الاكتفاء بمنع تدفقات الهجرة أمنياً.
وهنا تحديداً تظهر إحدى نقاط قوة وهبي السياسية والإعلامية، وهي القدرة على نقل النقاش من رد فعل دفاعي إلى طرح أسئلة مضادة، ووضع الطرف الآخر أمام مسؤولياته، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات حساسة تحظى باهتمام الإعلام الدولي.
وإذا كان وهبي قد اعتاد على مواجهة خصومه في الداخل، فإن حضوره اليوم في منابر إعلامية دولية، وقدرته على التعبير عن الموقف المغربي بلغة مباشرة، يجعلان منه أحد الوجوه الحكومية التي تتحمل جزءاً من عبء الدفاع عن مواقف المملكة في الملفات التي تثير جدلاً خارجياً.
ولذلك، فإن وضع وهبي في الواجهة لا يبدو مجرد تفصيل عابر، بل يعكس، في نظر متابعين، قيمة الرجل في إدارة المواجهات السياسية والإعلامية التي تحتاج إلى مسؤول قادر على الكلام، والرد، وتحمل تبعات ما يقول.
وفي المقابل، يطرح هذا الحضور سؤالاً مشروعاً حول أدوار باقي مكونات الحكومة، ومدى قدرتها على الاضطلاع بالمهام التواصلية والسياسية نفسها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات حساسة تتطلب خطاباً سريعاً وواضحاً، وحضوراً قادراً على مجاراة الإعلام الدولي.
وبين انتقادات الداخل وضغط الإعلام والسياسة في الخارج، يبدو أن عبد اللطيف وهبي اختار، أو وجد نفسه، في موقع المسؤول الذي لا يهرب من المواجهة. وهذه، بصرف النظر عن تقييم مواقفه أو الاتفاق والاختلاف معها، تظل نقطة تحسب له في زمن أصبح فيه الصمت والاختباء خلف البيانات الجاهزة خياراً مريحاً لعدد من المسؤولين.
وفي النهاية، قد يختلف المغاربة حول وهبي، وقد ينتقد البعض طريقته في التعبير أو بعض مواقفه، لكن يصعب إنكار أن الرجل يمتلك واحدة من أكثر الصفات ندرة في المشهد السياسي، وهي القدرة على الخروج إلى الواجهة عندما تكون المواجهة مكلفة، والتحدث عندما يختار آخرون الصمت، وتحمل مسؤولية ما يقول بدل الاختباء خلف الآخرين.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع موقع رداربريس الإخباري لمعرفة جديد الاخبار