أخبار

فلاحو الإصلاح الزراعي بتارودانت يواجهون شبح العطش والجفاف.. سنوات من العطاء تصطدم بتجاهل الجهات المختصة

يبدو أن صبر فلاحي الإصلاح الزراعي بإقليم تارودانت يقترب من نهايته، بعدما وجدوا أنفسهم أمام واقع فلاحي صعب تتداخل فيه أزمة مياه السقي مع ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع المردودية، في وقت يشعر فيه عدد منهم، وفق ما تؤكده اللجنة المحلية للتضامن مع فلاحي الإصلاح الزراعي، بأن سنوات طويلة من العمل والعطاء فوق الأرض لم تجد اليوم ما يقابلها من مواكبة ودعم من الجهات المختصة.

فالفلاحون الذين ظلوا لعقود مرتبطين بالأرض، وساهموا في استمرار النشاط الفلاحي بالإقليم، يواجهون اليوم أزمة تهدد أساس وجودهم المهني والمعيشي، بعدما أصبح الحصول على مياه السقي بشكل منتظم وكافٍ من أبرز التحديات التي تعترض استمرارهم في الإنتاج.

وتحذر اللجنة المحلية للتضامن مع فلاحي الإصلاح الزراعي من أن الوضع لم يعد يحتمل المزيد من التأجيل، خصوصاً أن تداعيات أزمة المياه بدأت تنعكس بشكل مباشر على الدورات الزراعية والإنتاج والمداخيل، فيما اضطر بعض الفلاحين، بحسب المعطيات التي طرحتها اللجنة، إلى التخلي عن نشاطهم الفلاحي بعدما أصبح الاستمرار في ظل الظروف الحالية أمراً بالغ الصعوبة.

ولا يتعلق الأمر، وفق اللجنة، بمشكل تقني عابر يمكن تجاوزه بإصلاح محدود، بل بأزمة مركبة تستوجب تدخلاً مؤسساتياً عاجلاً. فهناك أعطاب في شبكات وآبار السقي، وآبار تم حفرها لكنها لم تدخل بعد إلى الخدمة، فضلاً عن الحاجة إلى تعميق بعض الآبار القديمة وتجهيزها بالمضخات والمعدات الضرورية.

وفي الوقت الذي يعاني فيه الفلاحون من نقص المياه، تطرح اللجنة أيضاً إشكالية فواتير السقي، التي تقول إن قيمتها لا تعكس دائماً حجم الاستفادة الفعلية. ويؤكد الفلاحون أن مدة الاستفادة من مياه السقي قد لا تتجاوز في بعض الحالات حوالي 45 يوماً خلال ستة أشهر، وهو ما يدفعهم إلى المطالبة بمراجعة هذه الفواتير واعتماد معايير واضحة وشفافة تأخذ بعين الاعتبار حجم ومدة الاستفادة الفعلية.

وتزداد حدة الأزمة بفعل الارتفاع المتواصل في تكاليف الإنتاج، من أعلاف وأسمدة وبذور ومستلزمات فلاحية مختلفة، مقابل تراجع المردودية والمداخيل. وهي وضعية تجعل الفلاح أمام ضغط مزدوج: موارد مائية محدودة وتكاليف إنتاج مرتفعة، في وقت أصبحت فيه هوامش الاستمرار أضيق من أي وقت مضى.

كما تسلط اللجنة الضوء على الوضعية التي يعيشها منتجو الحليب، معتبرة أن سعر البيع لا يتناسب، في نظر الفلاحين، مع الكلفة الحقيقية للإنتاج، الأمر الذي يهدد بدوره استمرارية هذا النشاط ومصادر دخل عدد من الأسر.

وفي مواجهة هذه الوضعية، لا تقتصر مطالب فلاحي الإصلاح الزراعي على توفير الماء، بل تمتد إلى ضرورة وضع منظومة مواكبة حقيقية تساعدهم على تجاوز الإكراهات المناخية والاقتصادية. وتشمل هذه المطالب تعزيز التأطير التقني والميداني، وتمكين الفلاحين من الاستفادة من التقنيات الحديثة وبرامج الدعم، وتبسيط المساطر ومساعدتهم في إعداد الملفات الضرورية للاستفادة من مختلف برامج المواكبة.

وتشدد اللجنة على أن معالجة الوضع لا يمكن أن تتم من خلال تدخلات ظرفية أو حلول مؤقتة، وإنما تحتاج إلى رؤية واضحة، وحوار منتظم مع الفلاحين، ونزول فعلي إلى الميدان للوقوف على حجم المشاكل كما هي على أرض الواقع.

كما تطالب بتحديد آجال واضحة لتنفيذ الحلول وإخبار الفلاحين بمراحل تقدمها، حتى لا تبقى المطالب رهينة الوعود أو المراسلات الإدارية، خصوصاً أن استمرار الأزمة يهدد ليس فقط مداخيل الأسر، وإنما أيضاً قدرة الفلاحين على الحفاظ على أراضيهم وتجديد دوراتهم الزراعية.

وتعتبر اللجنة أن فلاحي الإصلاح الزراعي لا ينبغي التعامل معهم باعتبارهم مجرد أرقام في ملفات إدارية، بل باعتبارهم فاعلين اقتصاديين وأسرًا ترتبط حياتها بالأرض والماء، وراكموا عبر سنوات طويلة تجربة في العمل والإنتاج والمساهمة في النشاط الفلاحي بالإقليم.

ومن هنا، تطرح اللجنة سؤالاً أساسياً حول جدوى الحديث عن دعم الفلاح والحفاظ على الإنتاج وتشجيع الاستثمار في القطاع الفلاحي، إذا كان الفلاح نفسه عاجزاً عن الحصول على الحد الأدنى من شروط الاستمرار، وفي مقدمتها مياه السقي.

وبنبرة واضحة، أعلنت اللجنة المحلية للتضامن مع فلاحي الإصلاح الزراعي بإقليم تارودانت استعدادها لخوض جميع الأشكال النضالية السلمية والمشروعة دفاعاً عن مطالب الفلاحين، في حال استمرار تجاهل الوضع أو عدم اتخاذ إجراءات عملية وعاجلة.

وتؤكد اللجنة، في المقابل، أن باب الحوار الجاد والمسؤول لا يزال مفتوحاً، لكنها تشدد على أن استمرار الوضع الحالي لم يعد مقبولاً، وأن المرحلة المقبلة ستتحدد وفق مدى جدية الجهات المعنية في الاستجابة الفعلية للمطالب المطروحة.

فالرسالة التي يوجهها الفلاحون اليوم تبدو واضحة: لا يمكن مطالبة من أفنى سنواته في خدمة الأرض بالصمود فوقها، بينما تتراجع شروط الحياة والإنتاج إلى هذا الحد.

وبين أزمة الماء وارتفاع كلفة الإنتاج وتراجع المداخيل، يقف فلاحي الإصلاح الزراعي أمام مفترق طرق حقيقي؛ إما تدخل مؤسساتي يعيد لهم القدرة على مواصلة العمل ويحمي أراضيهم من التراجع والهجر، أو اتساع دائرة الاحتجاج، بعدما أصبح استمرار الوضع الحالي بالنسبة إليهم مسألة تتعلق بالعيش والكرامة ومستقبل الأرض.

وفي انتظار ما ستسفر عنه تحركات الجهات المعنية، يبقى السؤال مطروحاً بقوة: هل تتحرك المؤسسات لإنقاذ فلاحي الإصلاح الزراعي بتارودانت قبل أن تتحول أزمة مياه السقي إلى أزمة هجر للأراضي وفقدان لمصدر عيش أسر بأكملها؟

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع موقع رداربريس الإخباري لمعرفة جديد الاخبار