حين تحوّلت “الْمْزَايْدة” إلى رسالة.. حميد الماسي يربح جولة “الكفيفات” بالذكاء لا برأس العجل
في موسم الرما بدوار الكبير بجماعة الكفيفات، لم تكن ليلة أمس مجرد سهرة عادية، ولا كانت المزايدة على بعض حاجيات الموسم، من اللحم ورؤوس العجول وغيرها، مجرد عملية بيع وشراء تنتهي عند من يدفع أكثر.
ففي مثل هذه المناسبات، تختلط أجواء الفرجة بالمنافسة، وتتحول بعض المزايدات أحياناً إلى رسائل غير مكتوبة، خصوصاً عندما يحضر إليها الفاعلون السياسيون والمنتخبون ووجوه المنطقة.
وبينما كانت أجواء الموسم تعرف حضور عدد من الأسماء المعروفة، برزت رئيسة جماعة أولاد تايمة، نادية بوهدود، المرشحة للانتخابات البرلمانية على رأس اللائحة المحلية لحزب التجمع الوطني للأحرار، إلى جانب حضور حميد الماسي، القيادي بحزب الأصالة والمعاصرة ورجل الأعمال والفاعل المعروف بالمنطقة.
ولم يكن حضور نادية بوهدود عادياً، فقد كانت مدعومة من إحدى العائلات المعروفة بالمنطقة، في مشهد بدا منذ البداية وكأنه يحمل أكثر من مجرد حضور في موسم شعبي.
ومع انطلاق المزايدة على رأس العجل، بدأت المنافسة تأخذ منحى أكثر إثارة. فحميد الماسي، الذي سبق له أن دخل في منافسة مماثلة خلال أحد مواسم الرما بالمنطقة، حين واجه عائلة قيوح في مزايدة على رأس عجل وانتهت المنافسة آنذاك إلى مبلغ يقارب مليوناً وأربعين ألف ريال، كان يعرف جيداً أن مثل هذه المزايدات لا تُقاس فقط بمن يدفع أكثر، وإنما أيضاً بمن يعرف متى يواصل ومتى يتوقف، ومتى يغيّر قواعد اللعبة بالكامل.
وهذا بالضبط ما حدث أمس، استمرت المزايدة بين العائلة التي كانت تدعم رئيسة جماعة أولاد تايمة وبين حميد الماسي، إلى أن بلغ ثمن رأس العجل أربعة ملايين سنتيم، أي 40 ألف درهم، وهنا كان يمكن للماسي أن يواصل المزايدة، وأن يدخل في سباق من يدفع أكثر، خصوصاً وأنه سبق أن أثبت قدرته على خوض هذا النوع من المنافسات، لكنه اختار شيئاً أكثر ذكاءً. انسحب من المزايدة على رأس العجل، لكنه لم ينسحب من المشهد.
فبمجرد بلوغ المبلغ 40 ألف درهم، أعلن أمام الحاضرين أنه سيمنح خمسة ملايين سنتيم، أي 50 ألف درهم، للجمعية المنظمة ولأبناء دوار الكبير، دون بيع ولا شراء، باعتبارها مساهمة منه ودعماً للجمعية من أجل مواصلة أنشطتها وتحقيق أهدافها.
وهنا تحديداً تغيّر معنى المشهد، فبدل أن تبقى ليلة الموسم معلقة على سؤال: من ربح رأس العجل؟ ومن انتصر في المزايدة؟ أصبح السؤال: من دعم الجمعية والدوار فعلاً؟
الماسي، بهذا التصرف، لم يدخل في مزايدة على 40 ألف درهم فقط ليقول إنه قادر على تجاوزها، بل ترك المنافسة تصل إلى السقف الذي بلغته، ثم وضع مبلغاً أكبر منه مباشرة في المكان الذي يحتاجه أهل الدوار: الجمعية المنظمة. وهذا هو الفارق بين من يريد أن يربح المزايدة، ومن يعرف كيف يربح المعنى السياسي والاجتماعي للموقف، فالمزايدة كانت على رأس عجل، لكن الرسالة التي خرجت بها ليلة الموسم كانت أكبر من ذلك بكثير.
الحاضرون، بحسب الأجواء التي رافقت الإعلان، قابلوا الخطوة بالتصفيق، لأن الرجل لم يكتفِ بالدخول في المنافسة، بل اختار في النهاية أن يجعل مساهمته دعماً مباشراً للمنظمين ولأبناء المنطقة. والأكثر دلالة أن الكفيفات ليست جماعة يسيرها حزب الأصالة والمعاصرة حتى يُقال إن الماسي كان يتعامل معها بمنطق حزبي مباشر، فالرجل اختار، في هذه المناسبة، أن يتعامل مع أبناء المنطقة بمنطق آخر: منطق العلاقة مع الناس، والتعاون معهم، وردّ الجميل لمن استدعاه واحتفى بحضوره، وكما عبّر هو نفسه، فإن أبناء المنطقة “كبروا به” واستقبلوه ووجّهوا إليه الدعوة، وبالتالي كان حضوره بالنسبة إليه أكثر من مجرد محطة انتخابية.
وهنا تكمن ربما نقطة القوة في المشهد كله، في زمن أصبحت فيه بعض المناسبات الشعبية تتحول بسرعة إلى منصات للاستعراض السياسي، اختار حميد الماسي أن يترك شيئاً ملموساً وراءه، لم يحتج إلى خطاب طويل، ولا إلى رفع الشعارات، ولا إلى إعلان انتصار على أحد. ترك المنافسة تأخذ مداها، وحين بلغ الرقم الذي أراده الآخرون، غيّر وجهة المبلغ كله.
قد يقول البعض إن هذه مجرد مزايدة في موسم للرما، وقد يرى آخرون فيها جزءاً من الحركية الانتخابية التي تعرفها المنطقة مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية. لكن، بعيداً عن التأويلات السياسية، تبقى هناك حقيقة واضحة: الماسي فهم أن الفوز الحقيقي في مثل هذه اللحظات لا يكون دائماً بمن يدفع أكثر في المزاد، وإنما بمن يعرف كيف يحوّل اللحظة إلى رصيد لدى الناس.
وهكذا، خرج رأس العجل من دائرة المزايدة، ودخلت الجمعية إلى دائرة الدعم، وانتهت المنافسة على رأس العجل، لكن الماسي كسب شيئاً آخر: صورة الرجل الذي يعرف متى ينافس، ومتى ينسحب، ومتى يحوّل انسحابه نفسه إلى انتصار. وفي السياسة كما في مثل هذه المواسم، ليست العبرة دائماً بمن يرفع السقف أكثر، فأحياناً، أكثر الناس دهاءً هو من يعرف أين يتوقف، وماذا يترك وراءه بعد أن يتوقف.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع موقع رداربريس الإخباري لمعرفة جديد الاخبار