أخبار

“البام” يرفع سقف الوعود.. برنامج انتخابي تطغى عليه الشعبوية وأسئلة الواقعية

في السياسة، لا تكفي الوعود الجميلة لإقناع الناخب، كما لا يكفي رفع سقف الانتظارات الاجتماعية لإثبات القدرة على تنفيذها. وبين ما يرغب المواطن في سماعه وما تستطيع الدولة فعلاً تمويله وتنفيذه، يفترض أن تقاس البرامج الانتخابية بميزان الواقعية، لا بميزان جاذبية الشعارات.

ومن هذه الزاوية تحديداً، يثير البرنامج الانتخابي الذي قدمه حزب الأصالة والمعاصرة برسم الاستحقاقات التشريعية لـ2026، والذي وضع القدرة الشرائية والشباب والخدمات الاجتماعية في صلب تعهداته، عدداً من الأسئلة السياسية والاقتصادية المشروعة.

فالحزب قدم حزمة من الوعود اللافتة، من بينها إعادة أسعار المواد الأساسية إلى مستوياتها الطبيعية، ومجانية فاتورة الكهرباء في حدود 100 درهم شهرياً، وتخفيض الضريبة على الأجر، ورفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم، وضمان حد أدنى قدره 1000 درهم من الدعم الاجتماعي المباشر، إلى جانب وعود أخرى مرتبطة بالتشغيل والتعليم والسكن والصحة والأمن الطاقي والغذائي والمائي.

وهي، بلا شك، مطالب اجتماعية جذابة، بل إن بعضها يمثل طموحات مشروعة لفئات واسعة من المغاربة. لكن المشكلة ليست في مضمون الطموح، وإنما في السؤال عن الطريق المؤدي إليه.

من موقع الشريك في الحكومة إلى موقع صاحب الوعود

السؤال الأول الذي يفرض نفسه يتعلق بالموقع السياسي الذي جاء منه هذا البرنامج، فحزب الأصالة والمعاصرة لم يكن خلال الولاية التشريعية المنتهية حزباً معارضاً يتابع الحكومة من الخارج، وإنما كان أحد مكونات الأغلبية الحكومية، وحصل منذ تشكيل حكومة عزيز أخنوش سنة 2021 على سبع حقائب وزارية، شملت قطاعات وازنة مثل العدل، وإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، والإدماج الاقتصادي والشغل، والتعليم العالي، والطاقة، والشباب والثقافة والتواصل، والانتقال الرقمي.

بل إن الحزب نفسه أكد، في أبريل الماضي، اعتزازه بحصيلة العمل الحكومي خلال الفترة 2021-2026، واعتبر أن مكونات الحزب أدت دورها داخل الأغلبية بمسؤولية، وأن الإصلاحات الحكومية ساهمت في تحسين الظروف المعيشية للمواطنين.

وهنا تبدأ المفارقة السياسية. إذا كان الحزب جزءاً من الحكومة التي دبرت هذه المرحلة، فما الذي منعه من تنفيذ بعض هذه الإجراءات خلال الولاية المنتهية؟

وإذا كانت العودة إلى أسعار المواد الأساسية ممكنة اليوم، فلماذا لم تكن ممكنة بالأمس؟ وإذا كانت فاتورة الكهرباء التي تقل عن 100 درهم يمكن جعلها مجانية، فما هي الآلية التي حالت دون اعتماد هذا الإجراء عندما كان الحزب داخل الحكومة؟

وإذا كان رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم ممكناً، فلماذا لم يتحول إلى سياسة عمومية خلال السنوات الخمس الماضية؟

هذه ليست أسئلة انتخابية مضادة، وإنما أسئلة محاسبة سياسية طبيعية تفرضها مسؤولية المشاركة في التدبير الحكومي.

“إعادة الأسعار إلى طبيعتها”.. أي طبيعة؟

أكثر الوعود إثارة للتساؤل هو التعهد بـإعادة أسعار المواد الأساسية إلى مستوياتها الطبيعية. فما المقصود تحديداً بـ”الأسعار الطبيعية”؟ هل يتعلق الأمر بأسعار ما قبل جائحة كورونا؟ أم أسعار ما قبل الحرب الروسية الأوكرانية؟ أم أسعار مرحلة معينة من السنوات الماضية؟ ومن سيحدد هذا المستوى؟ والأهم: كيف ستتدخل الحكومة لإجبار السوق على الوصول إليه؟

الحزب تحدث في تقديم برنامجه عن اختلالات في السوق وارتفاعات وصفها بالمفتعلة، وربط ذلك أيضاً بمسألة العرض والتصدير وحاجيات السوق الداخلية.

لكن الانتقال من تشخيص الاختلال إلى خفض الأسعار يحتاج إلى أكثر من إعلان انتخابي، يحتاج إلى سياسة واضحة للمنافسة، وضبط الأسواق، وسلاسل التوزيع، وهوامش الربح، والمراقبة، والإنتاج، والاستيراد والتصدير، فضلاً عن كلفة الطاقة والنقل والمدخلات الفلاحية.

فهل يملك الحزب تصوراً مالياً وقانونياً ومؤسساتياً مفصلاً لذلك؟ وأين هو الحساب المالي لهذه الإجراءات؟

ماذا تغيّر منذ أن كانت “الأزمات” شماعة؟

طوال السنوات الماضية، كانت الحكومة، بمختلف مكوناتها، تواجه انتقادات بسبب ارتفاع الأسعار، وكان النقاش الرسمي والسياسي يستحضر تداعيات جائحة كورونا، والجفاف، والحرب الروسية الأوكرانية، وارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات الأسواق الدولية.

واليوم، يأتي “البام” ليقدم وعوداً واسعة بإعادة القدرة الشرائية إلى الواجهة. لكن السؤال البسيط هو: هل انتهت الأزمات التي كانت تفسر ارتفاع الأسعار؟ هل انتهى الجفاف؟ هل اختفت تقلبات أسعار الطاقة؟ هل أصبحت الأسواق الدولية مستقرة؟ هل تراجعت كلفة الإنتاج والنقل؟ وهل أصبح الاقتصاد المغربي بمنأى عن الصدمات الخارجية؟

إذا كانت الإجابة لا، فما هي الوصفة السحرية الجديدة التي اكتشفها الحزب اليوم ولم تكن متاحة له وهو داخل الحكومة؟

الشعبوية ليست في الوعود الاجتماعية.. بل في غياب كلفة الوعود

ومن الإنصاف القول إن وصف البرنامج بـ”الشعبوي” لا ينبغي أن يعني رفض كل ما جاء فيه. فالرفع من قيمة المعاشات، وتحسين القدرة الشرائية، وتوفير فرص العمل للشباب، وتطوير المدرسة العمومية، وضمان السكن، وتحسين الخدمات الصحية، كلها أهداف اجتماعية يمكن الدفاع عنها.

لكن الشعبوية تبدأ عندما تتحول المطالب المشروعة إلى وعود انتخابية ضخمة دون أن يرافقها شرح مقنع لمصادر التمويل وآليات التنفيذ والجدول الزمني والجهة المسؤولة عن الإنجاز.

فحين تقول لحامل المعاش إن الحد الأدنى سيصبح 3000 درهم، فإن السؤال التالي ليس: هل هذا جميل؟ بل كم سيكلف ذلك ميزانية الدولة؟ ومن أين ستأتي الأموال؟

وحين تقول لأسرة مغربية إن فاتورة الكهرباء التي تقل عن 100 درهم ستكون مجانية، فإن السؤال هو: من سيدفع هذه الفاتورة؟ الدولة؟ المكتب؟ الجماعات؟ أم سيتم تعويضها من بند مالي آخر؟

وحين تتعهد برفع الدعم الاجتماعي المباشر إلى حد أدنى قدره 1000 درهم، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً: كم عدد المستفيدين؟ وما الكلفة السنوية؟ وكيف سيتم ضمان استدامة التمويل؟ هذه التفاصيل ليست تقنية هامشية. إنها جوهر البرنامج الانتخابي نفسه.

“مسار إدماج”.. وعود الشباب تحتاج إلى أكثر من شعار

البرنامج لم يكتف بالقدرة الشرائية، بل قدم أيضاً “مسار إدماج” باعتباره مساراً للشباب خارج التعليم والتكوين والشغل، إلى جانب وعود بربط الكفاءة بفرص العمل، وتحسين ظروف العمل، وتوفير السكن والحركية، وإنشاء صندوق عمومي لضمان كراء سكن الشباب.

وهنا أيضاً، لا أحد يمكنه الاعتراض على الهدف. لكن المغرب لا يعاني فقط من نقص الشعارات المتعلقة بالتشغيل، وإنما من تعقيد سوق الشغل، وضعف قدرة الاقتصاد على خلق وظائف ذات جودة وبشكل مستدام، والتفاوت بين التكوين وحاجيات المقاولات، وارتفاع كلفة الإدماج المهني.

فكم وظيفة جديدة سيخلقها البرنامج؟ خلال كم سنة؟ وبأي قطاعات؟ وما هي الميزانية المرصودة؟ وهل يتعلق الأمر بوظائف عمومية أم فرصاً في القطاع الخاص؟

الناخب لا يحتاج فقط إلى أن يسمع “أول عقد شغل”؛ بل يحتاج إلى معرفة من سيدفع ثمن هذا العقد ومن سيضمن استمراره.

من “ميثاق القدرة الشرائية” إلى ميثاق قابل للمحاسبة

الحزب يقدم برنامجه في إطار رؤية اقتصادية واجتماعية واسعة، ويصفه بأنه برنامج للتغيير والتطوير، كما يضع القدرة الشرائية ضمن أولوياته.

لكن الاختبار الحقيقي لأي برنامج انتخابي لا يبدأ يوم إعلان الوعود، بل يبدأ في اليوم التالي لتشكيل الحكومة. وهنا يصبح من الضروري أن يجيب «البام» على أسئلة واضحة: كم ستكلف وعوده سنوياً؟ ما هي مصادر تمويلها؟ ما هي الإجراءات التشريعية التي ستحتاجها؟ ما الذي يمكن تنفيذه خلال السنة الأولى؟ ما الذي يحتاج إلى خمس سنوات؟ وما هي الوعود التي يمكن للحزب تنفيذها منفرداً، وما الذي يحتاج إلى توافق حكومي ومؤسساتي؟

ثم سؤال أكبر من كل ذلك: ماذا سيفعل الحزب بشكل مختلف هذه المرة، وهو الذي كان جزءاً من الحكومة خلال الولاية السابقة؟

هل نحن أمام تغيير في السياسات أم تغيير في الخطاب؟

المشكلة الأساسية التي يطرحها برنامج “البام” ليست أنه رفع سقف الطموحات، وإنما أنه يرفع سقف الانتظارات في مجتمع أنهكته الوعود الانتخابية وأصبح أكثر حاجة إلى الأرقام من الشعارات.

المواطن المغربي لا يريد بالضرورة برنامجاً أكثر شعبوية، وإنما يريد برنامجاً يقول له بوضوح: ماذا سنفعل؟ كم سيكلف؟ من سيمول؟ متى سينفذ؟ ومن سيحاسب إذا لم ينفذ؟

أما أن تتحول الانتخابات إلى سباق في تقديم أكبر عدد ممكن من الوعود الاجتماعية، دون تفصيل كافٍ لكلفة هذه الوعود وآليات تنزيلها، فذلك يفتح الباب أمام السؤال الأكثر إزعاجاً: هل نحن أمام برنامج قابل للتنفيذ، أم أمام قائمة من الأمنيات الانتخابية المصممة لاستمالة الناخب؟

وإذا كان “البام” يملك فعلاً الأدوات الاقتصادية والسياسية لتحقيق هذه الالتزامات، فليقدم الحساب قبل التصويت، لا بعده. لأن المغاربة لا يصوتون على النوايا الحسنة فقط، وإنما من حقهم أن يعرفوا كيف ستتحول هذه الوعود من كلمات مكتوبة على الورق إلى سياسات تدخل فعلياً إلى بيت المواطن وتنعكس على جيبه ومعيشته.

وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال السياسي الذي سيلاحق البرنامج حتى يوم الاقتراع: “البام”.. هل تغيّر الواقع فعلاً، أم تغيّر الخطاب فقط؟

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع موقع رداربريس الإخباري لمعرفة جديد الاخبار