أكادير بين الواقع والمزايدة السياسية.. مدينة تتغير وخطاب انتخابي متشائم يصر على إنكار التحول
يصعب اليوم الحديث عن مدينة أكادير دون الاعتراف بحجم التحول الذي عرفته خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط على مستوى البنية التحتية والتجهيزات والفضاءات العمومية، وإنما أيضا على مستوى الصورة التي أصبحت تقدمها المدينة لزوارها، سواء من السياح الأجانب أو من السياح الداخليين والمواطنين المغاربة الذين اختاروا أكادير وجهة لقضاء عطلتهم خلال فصل الصيف.
ولعل العدد الكبير من العائلات المغربية التي توافدت على المدينة خلال الأسابيع والأشهر الماضية، والحركية التي عرفتها مختلف الفضاءات السياحية والترفيهية، تقدم واحدة من أبسط الإجابات عن سؤال: هل تغيرت أكادير فعلا أم لا؟ الجواب، بالنسبة لمن يزور المدينة اليوم مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات، يبدو واضحا.

صحيح أن أكادير ما تزال تواجه مجموعة من الإكراهات والمشاكل، شأنها شأن أي مدينة مغربية تعرف نموا عمرانيا وديمغرافيا وسياحيا متسارعا، وصحيح أن هناك أوراشا لم تستكمل بعد ومشاريع ما تزال تنتظر إخراجها إلى أرض الواقع، لكن ذلك لا يمكن أن يكون مبررا لإنكار التحول الكبير الذي شهدته المدينة.
فبرنامج التنمية الحضرية لأكادير، الذي أشرف الملك محمد السادس على حفل توقيع اتفاقياته سنة 2020، لم يكن مجرد برنامج على الورق، وإنما شكل نقطة تحول حقيقية في مسار المدينة، بعدما رصدت له اعتمادات مالية مهمة، وتعبأ مجلس جماعة أكادير لتنزيله بشراكة مع مجموعة من القطاعات والمؤسسات والفاعلين.

وهنا بالضبط يظهر الدور الذي لعبه المجلس الجماعي الحالي لأكادير، بقيادة عزيز أخنوش، والذي وضع ثقته في نائبه الأول مولاي مصطفى بودرقة لتتبع عدد الملفات والأوراش المرتبطة بتنزيل البرنامج. فالجماعة لم تكن مجرد متفرج على هذه المشاريع، بل كان عليها أن توفر مساهماتها المالية وتفي بالتزاماتها ضمن الاتفاقيات الموقعة مع القطاعات الحكومية ومجلس جهة سوس ماسة وباقي المتدخلين، وهي مسؤولية مالية وتدبيرية لا يمكن القفز عليها عند تقييم حصيلة المدينة.
واليوم، ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لشهر شتنبر 2026، بدأت تظهر بعض الكائنات الانتخابية التي وجدت في أكادير مادة جاهزة لتصفية الحسابات السياسية، من خلال خطاب يحاول إقناع المغاربة بأن المدينة لم تعرف أي تغيير، وأنها ما تزال غارقة في المشاكل نفسها التي كانت تعاني منها قبل سنوات.

ومن حق أي شخص أن ينتقد، ومن حق أي فاعل سياسي أو مدني أن ينتمي إلى أي حزب أو هيئة سياسية وأن يختلف مع المجلس الجماعي أو مع عزيز أخنوش أو مع أي مسؤول آخر، لكن ما ليس من حق أحد هو أن يحول الاختلاف السياسي إلى محاولة لمحو الواقع، فالسياسة شيء، والوقائع شيء آخر، والوقائع تقول إن أكادير تغيرت. نعم تغيرت في عدد من شوارعها وفضاءاتها، وفي بنيتها التحتية، وفي واجهاتها، وفي عدد من المشاريع والمرافق التي أصبحت اليوم جزءا من المشهد اليومي للمدينة.
والأهم من ذلك أن هذا التغيير لم يبق محصورا في قلب المدينة أو في الأحياء التي تحظى عادة بأكبر قدر من الاهتمام، بل امتد إلى عدد من المناطق والأحياء الواقعة في هامش أكادير، بما فيها المناطق ذات الطبيعة الجبلية، حيث استفادت الساكنة بدورها من مجموعة من المشاريع والتجهيزات.

وفي المقابل، فإن بعض الأصوات التي تصر على الترويج لخطاب مفاده أن أكادير لم تتغير، تبدو وكأنها تتعامل مع المدينة بمنطق انتخابي ضيق، مستغلة الظرفية السياسية والانتخابية للتقرب من جهات على حساب أخرى، ومحاولة تقديم نفسها كطرف في معادلات انتخابية تتجاوز النقاش الحقيقي حول حصيلة المدينة. فالأمر، في بعض الحالات، لا يتعلق فقط بانتقاد المشاريع أو مساءلة المسؤولين، وإنما يتحول إلى تهجم على الخصوم وتصفية للحسابات، والدخول في حروب سياسية وانتخابية بالوكالة، يتم فيها استعمال بعض الملفات المحلية لتصفية صراعات لا علاقة لها، في كثير من الأحيان، بالمصلحة العامة للمدينة وساكنتها.
والأخطر أن يتحول هذا النوع من الخطاب إلى محاولة لإقناع المواطنين بأن كل ما تحقق مجرد “وهم انتخابي”، فقط لأن المشاريع ارتبطت بجهة سياسية معينة. والحال أن المشروع العمومي لا يحمل بطاقة انتماء حزبية؛ فحين تُنجز حديقة أو شارع أو مرفق أو فضاء عمومي، فإن المستفيد في النهاية هو المواطن، بصرف النظر عمن يدبر الجماعة أو من ينتمي إليه سياسيا.

وهنا يصبح السؤال مشروعا، كيف يمكن لمن يعيش في أكادير أو يزورها اليوم أن ينكر كل هذا التحول؟ هل يمكن أن نتجاهل الحدائق والفضاءات العمومية والمرافق الجديدة؟ هل يمكن أن نتجاهل الحركية السياحية التي أصبحت تعرفها المدينة؟ هل يمكن أن نتجاهل الإقبال الكبير للمغاربة على أكادير خلال الصيف؟ وهل يمكن اختزال مدينة تتغير بهذا الحجم في بعض النواقص والمشاكل الموجودة فيها؟ طبعا لا.
والحديث عن الإيجابيات لا يعني إطلاقا القول إن كل شيء على ما يرام، بل إن الموضوعية تقتضي بالضبط أن نعترف بما تحقق، وفي الوقت نفسه نشير إلى ما لم يتحقق بعد، وأن نطالب بالمزيد من المشاريع، وبالإسراع في إخراج الأوراش المتأخرة، وبمعالجة الاختلالات التي ما تزال تؤرق الساكنة، أما أن يتم إنكار كل شيء فقط لأن الانتخابات اقتربت، فذلك ليس نقدا، بل هو استعمال انتخابوي للواقع.

وبحسب المعطيات التي سبق أن قدمها مولاي مصطفى بودرقة خلال إحدى الندوات الصحفية التي أعقبت دورة من دورات المجلس، فإن نسبة مهمة من مشاريع برنامج التنمية الحضرية قد تم إنجازها، فيما تبقت مشاريع أخرى ستعرف مراحل جديدة من التنزيل والانطلاق، وهذا يعني أن أكادير لا تزال، بكل بساطة، ورشا مفتوحا. مدينة تتغير، ولكنها لم تنته بعد من عملية التغيير.
وإذا كان من حق الساكنة أن تلمس نتائج المشاريع المنجزة، فمن حقها أيضا أن تطالب بالمزيد، لأن طموح أكادير لا يمكن أن يتوقف عند برنامج أو ولاية انتخابية. خاصة وأن المكانة التي أصبحت تحتلها المدينة، والدور الذي تتطلع الدولة إلى أن تلعبه مستقبلا، يجعلان من الضروري التفكير في أكادير ليس فقط كمدينة سياحية، وإنما كقطب وطني واستراتيجي.

وأكادير، التي وصفها الملك محمد السادس بأنها عاصمة وسط المملكة، توجد في موقع يجعلها حلقة وصل أساسية بين شمال المملكة وشرقها وجنوبها، وبين مختلف جهات البلاد، وهو ما يمنحها مؤهلات كبرى لتكون أكثر حضورا في الدينامية الاقتصادية والسياحية والاستراتيجية للمغرب خلال السنوات المقبلة.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست في إثبات أن أكادير تغيرت أو لم تتغير، لأن التغيير أصبح مرئيا، والمدينة نفسها تقدم الجواب، المعركة الحقيقية هي كيف نحافظ على هذا الزخم، وكيف نضمن استمرارية الأوراش، وكيف ننتقل من مدينة تعرف تحولا عمرانيا وتجميديا إلى مدينة متكاملة الخدمات، أكثر عدالة بين أحيائها، وأكثر جاذبية للسياح والمستثمرين، وأكثر قدرة على الاستجابة لطموحات ساكنتها.
أما تحويل أكادير إلى مجرد ورقة انتخابية، ومحاولة إقناع الناس بأن ما يرونه بأعينهم مجرد وهم، فلن يغير شيئا من الواقع، فالانتخابات تنتهي، والحملات الانتخابية تنتهي، والخطابات السياسية تتغير… لكن المدينة تبقى، وما يبقى في النهاية هو ما أنجز على الأرض، وما لم ينجز، وما ينتظره المواطن من أجل أكادير أفضل.




اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع موقع رداربريس الإخباري لمعرفة جديد الاخبار