أشنكلي يقرّ بفشل مخطط التسريع الصناعي الذي تم الالتزام به أمام أنظار جلالة الملك
في لحظة يفترض فيها أن تكون مناسبة لتقييم موضوعي لسياسات التشغيل على المستوى الجهوي، كشف العرض التشخيصي المقدم خلال الاجتماع التنسيقي المنعقد بأكادير، برئاسة والي جهة سوس ماسة، عن مفارقات عميقة تمس جوهر الاختيارات الاقتصادية المعتمدة خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها مخطط التسريع الصناعي، الذي تم تقديمه سابقاً كرافعة أساسية لإحداث فرص الشغل وتحقيق التحول الهيكلي للاقتصاد الوطني.
الأرقام المعلن عنها خلال هذا اللقاء الذي احتضنته مدينة الابتكار بأكادير يوم الإثنين 4 ماي 2026، والذي خصص لتدارس سبل تطوير الآلية الجهوية لإنعاش التشغيل، وذلك في إطار تنزيل تدابير جديدة تروم مواكبة التحولات الاقتصادية، وتعزيز التقائية برامج التنمية الجهوية مع حاجيات سوق الشغل، رغم طابعها التقني، (الأرقام المعلن عنها) تحمل دلالات سياسية واقتصادية واضحة؛ إذ سجل العرض هيمنة قطاعي الخدمات والفلاحة على حوالي 39% من مناصب الشغل، مقابل حضور محدود للقطاع الصناعي، وهو ما يتناقض بشكل صريح مع الأهداف المعلنة لمخطط التسريع الصناعي، الذي كان يفترض أن يجعل من الصناعة قاطرة أساسية للتشغيل، خاصة في أوساط الشباب.
هذا المعطى لا يمكن قراءته إلا باعتباره إقراراً ضمنياً بفشل هذا المخطط في تحقيق أحد أهم رهاناته، وهو خلق فرص الشغل بشكل واسع ومستدام. فحين يستمر الاعتماد على قطاعات تقليدية كالفلاحة والخدمات، التي تظل بطبيعتها هشة وموسمية في كثير من الأحيان، فإن ذلك يعكس غياب التحول البنيوي المنشود، ويطرح تساؤلات مشروعة حول نجاعة السياسات العمومية المعتمدة.
الأكثر إثارة للانتباه هو التناقض الصارخ بين الخطاب الحكومي، الذي تحدث عن فقدان آلاف مناصب الشغل في القطاع الفلاحي مقابل إحداث فرص في القطاعات غير الفلاحية، وبين ما كشفه العرض الحالي لرئيس جهة سوس ماسة، الذي أكد فيه أن الفلاحة لا تزال من بين القطاعات الرئيسية المشغلة، في ظل ضعف واضح للقطاعات غير الفلاحية، وعلى رأسها الصناعة، وهو ما يطرح إشكال المصداقية في الأرقام والتقييمات الرسمية، ومدى انسجامها مع الواقع الميداني.
كما أن اختيار الفترة المرجعية الممتدة من 2018 إلى 2025 يثير بدوره علامات استفهام، سواء من حيث المنهجية أو الخلفية المعتمدة، خاصة وأن هذه الفترة لا تعكس بالضرورة تحولات متجانسة، بل تتخللها أزمات ظرفية، من بينها تداعيات الجائحة والتقلبات الاقتصادية، ما يجعل اعتمادها كأساس للتقييم أمراً يحتاج إلى تبرير علمي ومؤسساتي دقيق.
وفي سياق متصل، أعاد العرض التأكيد على وجود فجوة واضحة بين التكوين وسوق الشغل، وهو معطى ليس بالجديد، لكنه يكتسي بعداً أكثر تعقيداً حين نضعه في إطار توزيع الاختصاصات؛ فالتكوين المهني يعد اختصاصاً ذاتياً للجهة، في حين أن التشغيل والتنمية الاقتصادية يندرجان ضمن اختصاصات ذاتية أو مشتركة، ما يعني أن الإشكال لا يرتبط فقط بضعف التكوين، بل أيضاً بغياب التنسيق والالتقائية بين مختلف المتدخلين.
وتعكس تصريحات المسؤولين خلال اللقاء، التي ركزت على ضرورة توجيه الدعم نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، واعتماد آليات تتبع وتقييم قائمة على مؤشرات دقيقة، بدورها إدراكاً متأخراً لحجم الاختلالات القائمة، لكنها تظل في حاجة إلى ترجمة فعلية على أرض الواقع، بعيداً عن منطق البرامج الظرفية أو الحلول الترقيعية.
إن ما يكشفه هذا العرض، في عمقه، هو أن الرهان على الصناعة كمحرك للتشغيل لم يتحقق بالشكل المأمول، وأن الاختيارات الاقتصادية لم تنجح بعد في كسر هيمنة القطاعات التقليدية، وهو ما يفرض إعادة نظر شاملة في السياسات العمومية، بما ينسجم مع التوجيهات الملكية الداعية إلى تحقيق تنمية ترابية مندمجة ومستدامة، قائمة على العدالة المجالية وخلق فرص شغل حقيقية.
وبين الأرقام الرسمية والواقع المعيشي، يظل السؤال قائماً: هل نحن أمام مرحلة تصحيح للمسار، أم مجرد إعادة إنتاج لنفس الاختلالات تحت مسميات جديدة؟
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع موقع رداربريس الإخباري لمعرفة جديد الاخبار