أخبار

جلالة الملك ينتصر للأحزاب والمنتخبين ويعيد هندسة الحكامة الترابية في اتجاه ديمقراطي متقدم

في لحظة سياسية ومؤسساتية دقيقة، تعكس عمق التحولات التي يشهدها المغرب، ترأس جلالة الملك محمد السادس، يوم الخميس 9 أبريل 2026، مجلساً وزارياً بالقصر الملكي بالرباط، حمل في طياته رسائل تتجاوز مجرد المصادقة على نصوص قانونية أو تعيينات إدارية، لتؤسس لمرحلة جديدة عنوانها إعادة التوازن للمؤسسات، والانتصار الصريح للشرعية الديمقراطية، عبر تمكين الأحزاب السياسية والمنتخبين من أدوارهم الدستورية الكاملة.

هذا المجلس، الذي صادق على مشروعي قانونين تنظيميين ومشروع مرسوم عسكري، إلى جانب اتفاقيات دولية وتعيينات في مناصب عليا، سرعان ما كشف عن بعده الاستراتيجي العميق من خلال العرض الذي قدمه وزير الداخلية حول الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، وهي البرامج التي ستشكل العمود الفقري للنموذج التنموي خلال السنوات المقبلة.

التحول الأبرز الذي حملته التوجيهات الملكية يتمثل في إعادة توزيع الأدوار بين مختلف الفاعلين الترابيين، بشكل يكرّس روح دستور 2011، ويضع المؤسسات المنتخبة في صلب العملية التنموية. فبعد مرحلة أولى أشرف فيها رجال السلطة على تشخيص حاجيات المواطنين عبر لقاءات ميدانية موسعة شملت مختلف عمالات وأقاليم المملكة، جاء القرار الملكي ليُسند مهمة تنزيل هذه البرامج إلى آليات تقودها هيئات منتخبة، وفي مقدمتها الجهات.

هذا التوجه ليس تقنياً فقط، بل هو خيار سياسي واضح يعيد الاعتبار للأحزاب السياسية وللمنتخبين، باعتبارهم الممثلين الحقيقيين لإرادة المواطنين، ويمنحهم زمام المبادرة في تنفيذ المشاريع التنموية، عبر آليات مؤسساتية حديثة، خاصة من خلال شركات المساهمة الجهوية التي سيرأسها رؤساء الجهات.

في عمق هذا الورش، يبرز حرص المؤسسة الملكية على التنزيل الفعلي لمفهوم الجهوية المتقدمة، ليس كشعار، بل كممارسة مؤسساتية قائمة على توزيع متوازن للسلط بين المركز والمجال. فبينما ستتولى الجهات إعداد وتنفيذ البرامج، سيقتصر دور وزارة الداخلية، ممثلة في الولاة والعمال، على التنسيق وضمان الالتقائية، وفق ما ينص عليه الفصل 145 من الدستور.

هذا التموقع الجديد يكرس مبدأ التكامل بدل التداخل، ويؤسس لعلاقة صحية بين السلطة المركزية والمنتخبين، قائمة على التعاون لا الوصاية، وعلى التوجيه لا التدخل المباشر.

إن الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة لا يقتصر على إعادة هندسة المؤسسات، بل يستهدف بالأساس تحسين ظروف عيش المواطنين، خاصة في المناطق القروية والجبلية التي لا تزال تعاني من الهشاشة وضعف البنيات التحتية.

وقد تم إعداد هذه البرامج وفق مقاربة تشاركية غير مسبوقة، اعتمدت على الإنصات المباشر للمواطنين، وتحليل دقيق للمؤشرات السوسيو-اقتصادية، بما يضمن توجيه الاستثمارات نحو الحاجيات الحقيقية للسكان، في مجالات حيوية كالصحة والتعليم والتشغيل والماء والبنيات التحتية.

وتشير التقديرات الأولية إلى أن الغلاف المالي لهذه البرامج سيبلغ حوالي 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات، ما يعكس حجم الرهان المطروح، والطموح الكبير لتحقيق تنمية مندمجة تقلص الفوارق المجالية وتحقق العدالة الاجتماعية.

وضمن هذا التصور، تم وضع آليات دقيقة للحكامة، ترتكز على ثلاث مستويات مترابطة، فعلى المستوى المحلي، ستُحدث لجان يقودها العمال، تضم المنتخبين والمصالح اللاممركزة، تتولى الإعداد والتتبع. وعلى المستوى الجهوي، ستتولى لجان يرأسها ولاة الجهات مهمة ضمان انسجام البرامج وتكاملها داخل المجال الترابي. أما على المستوى الوطني، فستُحدث لجنة عليا يرأسها رئيس الحكومة، تتكفل بالمصادقة والتنسيق العام بين مختلف القطاعات.

وفي خطوة مؤسساتية لافتة، سيتم إحداث شركات مساهمة جهوية لتنفيذ المشاريع، حيث ستعوض هذه الشركات الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع المحدثة بموجب القانون التنظيمي المتعلق بالجهات، وذلك بما يتيح الجمع بين متطلبات الحكامة والرقابة العمومية، ومرونة التدبير ونجاعة الأداء المستمدة من القطاع الخاص، مع إخضاعها لتدقيق سنوي مشترك من طرف المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية، بما يعزز منطق ربط المسؤولية بالمحاسبة.

كما سيتم، في إطار تعزيز الشفافية، إطلاق منصة رقمية وطنية تتيح للمواطنين تتبع المشاريع وتقييمها، بما يكرس الحق في المعلومة ويرسخ ثقافة المساءلة والمراقبة المجتمعية.

لا يمكن فصل هذه التحولات عن السياق الدولي والإقليمي، حيث يواصل المغرب تعزيز موقعه كدولة مستقرة ديمقراطياً، خاصة في ظل التقدم الذي تحققه قضية وحدته الترابية، والدعم الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي.

من هذا المنطلق، يشكل هذا الورش رسالة واضحة للمجتمع الدولي مفادها أن المغرب ماضٍ في ترسيخ دولة المؤسسات، واحترام الاختيار الديمقراطي، وتمكين الهيئات المنتخبة من أدوارها، في انسجام تام مع المعايير الدولية للحكامة الجيدة.

ما حمله المجلس الوزاري الأخير يتجاوز كونه محطة تدبيرية عادية، ليؤكد توجهاً استراتيجياً يقوده جلالة الملك نحو إعادة ترتيب المشهد المؤسساتي، على أساس التوازن بين الشرعية الانتخابية والنجاعة الإدارية.

إنه انتصار واضح للأحزاب السياسية وللمنتخبين، لكنه في الآن ذاته مسؤولية تاريخية تُحمّلهم عبء إنجاح هذا الورش، وتحقيق تطلعات المواطنين الذين ينتظرون تنمية حقيقية تلامس حياتهم اليومية.

وفي النهاية، يواصل المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، ترسيخ نموذج تنموي خاص، يجمع بين الإصلاح السياسي والنجاعة الاقتصادية، ويضع الإنسان في صلب كل السياسات العمومية، في أفق بناء دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في توزيع ثرواتها، ومنسجمة في مسارها الديمقراطي.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع موقع رداربريس الإخباري لمعرفة جديد الاخبار