المغرب والأوراش الكبرى.. حصيلة 5 سنوات من التحولات المتسارعة خلال ولاية حكومة أخنوش
دخل المغرب خلال السنوات الخمس الأخيرة من ولاية حكومة عزيز أخنوش، مرحلة مفصلية اتسمت بتسارع وتيرة الإصلاحات الكبرى، وتوسيع الأوراش الاجتماعية والاقتصادية والدبلوماسية، في سياق دولي اتسم بالأزمات المتلاحقة، من تداعيات جائحة كورونا إلى الاضطرابات الجيوسياسية وارتفاع معدلات التضخم عالمياً.
ورغم صعوبة الظرفية، اختار المغرب المضي في تنزيل مشاريع استراتيجية كبرى، جمعت بين تعزيز الوحدة الترابية، وإعادة هيكلة الدولة الاجتماعية، وتقوية البنية التحتية، وتحفيز الاستثمار، إلى جانب ترسيخ موقع المملكة كفاعل إقليمي وقاري ودولي مؤثر.
وعلى مستوى القضية الوطنية، شهد ملف الصحراء المغربية تحولات وُصفت بالمفصلية، بعدما كرس القرار الأممي 2797 الدينامية الدولية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، في وقت توسعت فيه دائرة الاعتراف بمغربية الصحراء لتشمل دعماً من حوالي 30 دولة أوروبية، مقابل مواصلة افتتاح القنصليات الأجنبية بمدينة الداخلة، والتي بلغ عددها 22 قنصلية إفريقية، في مؤشر على التحول المتزايد في مواقف عدد من الدول الإفريقية تجاه النزاع الإقليمي المفتعل.
كما عزز المغرب حضوره الإفريقي عبر توقيع 40 إعلاناً مشتركاً مع عدد من الدول الإفريقية، في إطار توجه دبلوماسي يقوم على الشراكة جنوب-جنوب، وربط التعاون الاقتصادي بالتنمية والاستقرار الإقليمي.
اقتصادياً، سعت الحكومة إلى الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية رغم الضغوط الدولية، حيث سجل الاقتصاد الوطني معدل نمو بلغ 4.8 في المائة، مع الإعلان عن خلق حوالي 850 ألف منصب شغل صافي ما بين 2021 و2025، وهي أرقام تراهن السلطة التنفيذية على تقديمها كدليل على فعالية السياسات العمومية المعتمدة في مجالات الاستثمار والإنعاش الاقتصادي.
كما تمكن المغرب من التحكم نسبياً في معدلات التضخم التي تراجعت إلى 0.6 في المائة سنة 2025، بالتوازي مع ارتفاع المداخيل الضريبية إلى 342 مليار درهم، وحصر العجز الميزانياتي في حدود 3 في المائة بحلول سنة 2026، إضافة إلى خروج المملكة من “اللائحة الرمادية” لمجموعة العمل المالي “GAFI” سنة 2023، وهو معطى اعتبرته الحكومة مؤشراً على تحسن منظومة الحكامة المالية وتعزيز الثقة الدولية في الاقتصاد المغربي.
وفي الجانب الاجتماعي، شكل مشروع تعميم الحماية الاجتماعية أحد أبرز الأوراش التي تم إطلاقها خلال هذه المرحلة، خاصة بعد الشروع في تنزيل نظام الدعم الاجتماعي المباشر منذ دجنبر 2023، والذي يستهدف حوالي 3.9 مليون أسرة، أي ما يقارب 12 مليون مواطن، بغلاف مالي يناهز 52 مليار درهم.
كما تم تعميم التأمين الإجباري عن المرض ليشمل حوالي 11 مليون مستفيد مباشر، في وقت ارتفعت فيه ميزانية قطاع الصحة إلى 42.4 مليار درهم سنة 2026، مع إطلاق برامج لتأهيل 1400 مؤسسة صحية للقرب، وبناء ثلاثة مراكز استشفائية جامعية جديدة، فضلاً عن تسجيل المغرب لمعدل 23 إطاراً صحياً لكل 10 آلاف نسمة، متجاوزاً بذلك العتبة المرجعية التي تحددها منظمة الصحة العالمية.
وفي ما يتعلق بالسكن والقدرة الشرائية، أعلنت الحكومة عن تسجيل 62 مدينة بدون صفيح، مع استفادة أكثر من 96 ألف شخص من برنامج الدعم المباشر للسكن، بينما شملت الإجراءات الاجتماعية كذلك الإعفاء من الضريبة على الدخل بالنسبة للأجور التي لا تتجاوز 6000 درهم شهرياً.
كما شهد ملف الحوار الاجتماعي تخصيص غلاف مالي بلغ 46 مليار درهم إلى غاية سنة 2026، أفضى إلى زيادات صافية في أجور الموظفين وصلت إلى 1000 درهم، إلى جانب رفع الحد الأدنى للأجر في الوظيفة العمومية إلى 4500 درهم، بنسبة زيادة بلغت 50 في المائة.
وفي محور الاستثمار والصناعة، تم اعتماد مشاريع استثمارية بقيمة إجمالية بلغت 581 مليار درهم، من المرتقب أن توفر حوالي 245 ألف منصب شغل، بالتوازي مع تقليص مدة إنشاء المقاولات إلى ثلاثة أيام فقط، في خطوة تروم تحسين مناخ الأعمال وجذب الرساميل.
أما قطاع السيارات، فقد واصل تعزيز مكانته كقاطرة صناعية وطنية، مع بلوغ الطاقة الإنتاجية سقف مليون سيارة سنوياً، وتوفير حوالي 232 ألف منصب شغل مباشر، في وقت يراهن فيه المغرب على ترسيخ موقعه ضمن سلاسل الإنتاج العالمية.
وفي القطاع السياحي، تشير التوقعات الرسمية إلى إمكانية استقبال 19.8 مليون سائح بحلول سنة 2025، بعائدات تصل إلى 138 مليار درهم، وهو ما يعكس تعافي القطاع واسترجاعه لزخمه بعد سنوات الجائحة.
وعلى مستوى البنية التحتية، أطلقت المملكة استثمارات عمومية قياسية بلغت 1600 مليار درهم خلال الفترة الممتدة من 2022 إلى 2026، شملت مشاريع مائية واستراتيجية كبرى، من بينها إنجاز سبعة سدود كبرى، ومواصلة بناء 12 سداً إضافياً، إلى جانب مشروع الربط المائي بين حوضي سبو وأبي رقراق، الذي يهدف إلى تحويل حوالي 400 مليون متر مكعب من المياه سنوياً.
كما اتجه المغرب نحو تسريع مشاريع تحلية مياه البحر، بعدما تمت مضاعفة القدرة الإنتاجية لتسع مرات، في ظل التحديات المرتبطة بالإجهاد المائي والتغيرات المناخية.
وفي المجال المينائي، اكتملت أشغال ميناء الناظور غرب المتوسط بنسبة 100 في المائة، فيما تتواصل أشغال ميناء الداخلة الأطلسي باعتباره أحد المشاريع الاستراتيجية الموجهة لتعزيز الواجهة الأطلسية للمملكة وربطها بالعمق الإفريقي.
أما في قطاع النقل، فقد تم تخصيص 96 مليار درهم لإنجاز خط القطار فائق السرعة بين الدار البيضاء ومراكش، في حين وضعت الخطوط الملكية المغربية مخططاً لتوسيع أسطولها ليصل إلى 200 طائرة في أفق سنة 2037.
طاقياً، واصل المغرب رهانه على الانتقال نحو الطاقات النظيفة، بعدما بلغت نسبة الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة حوالي 46.1 في المائة، في وقت شهد فيه قطاع التعليم إطلاق مشروع “المدارس الرائدة” الذي شمل 4626 مؤسسة تعليمية، مع رفع ميزانية البحث العلمي بنسبة 157 في المائة.
وفي المجال الرياضي، دخلت المملكة مرحلة التحضير للاستحقاقات الكروية الكبرى، من خلال تحديث تسعة ملاعب كبرى استعداداً لاحتضان كأس إفريقيا للأمم 2025 وكأس العالم 2030، إضافة إلى مشروع بناء ملعب الحسن الثاني الكبير بسعة تصل إلى 115 ألف متفرج.
وبين الأرقام الرسمية وطموحات التنزيل الميداني، يظل التحدي الأكبر خلال المرحلة المقبلة مرتبطاً بقدرة هذه الأوراش على تحقيق أثر مباشر وملموس على حياة المواطنين، خاصة في ملفات التشغيل، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وضمان استدامة الإصلاحات في ظل التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع موقع رداربريس الإخباري لمعرفة جديد الاخبار