من له “الفضل” في تشويه صورة المستشفى الجامعي بأكادير.. الورش الملكي الذي تقوده كفاءات وطاقات شابة
منذ افتتاح المستشفى الجامعي محمد السادس بأكادير، باعتباره أحد أبرز الأوراش الملكية التي عززت العرض الصحي بجهة سوس ماسة، لم تتوقف بعض الأصوات عن توجيه الانتقادات إلى هذه المؤسسة، بل إن الأمر، بحسب ما يظهر من بعض المضامين المتداولة، تجاوز في حالات معينة النقد المشروع إلى محاولة ترسيخ صورة سلبية عنها لدى المواطنين.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، ونحن نقترب من مرور سنة على افتتاح هذا الصرح الصحي، هو، من المستفيد من إضعاف الثقة في مستشفى جامعي عمومي حديث، أنجز في إطار ورش ملكي، وأصبح يستقبل مرضى من جهة سوس ماسة إلى جانب الجهات الجنوبية الثلاث؟
فالمستشفى الجامعي محمد السادس بأكادير لم يأت في سياق عادي، بل جاء في مرحلة دقيقة من مسار تطوير المنظومة الصحية بالمنطقة، خصوصاً أن مستشفى الحسن الثاني الجهوي أغلق مباشرة بعد افتتاحه من أجل إخضاعه لأشغال الإصلاح وإعادة التأهيل، وهو ما جعل المستشفى الجامعي يتحمل ضغطاً متزايداً في استقبال المرضى والتكفل بحالات قادمة من مجال ترابي واسع.
وهو اليوم ليس مجرد بناية طبية، وإنما مؤسسة جامعية تجمع بين العلاج والتكوين، وتضم أطباء وأساتذة جامعيين وأطباء داخليين ومقيمين، إلى جانب أطر تمريضية وإدارية وتقنية، ضمن جيل من الكفاءات الشابة التي اختارت الاشتغال داخل الوطن والانخراط في ورش تطوير القطاع الصحي.
وتضم المؤسسة أسماء من الأساتذة والأطباء في تخصصات مختلفة، من بينها البروفيسور أيوب المدني والبروفيسورة دنيا دواح أخصائيين في الجراحة العامة، والبروفيسور مهدي الزواوي، والبروفيسور عبد الصمد الخراجي، والبروفيسور امبارك أزواوي، البروفيسور مروان المداري…، إلى جانب عدد من الكفاءات الطبية والأكاديمية التي تساهم في تقديم العلاج وتكوين طلبة الطب والأطباء الشباب.
غير أن ما يثير الانتباه هو أن المستشفى، ومنذ افتتاحه، أصبح موضوعاً لمضامين متداولة على منصات التواصل الاجتماعي تقدم عنه في بعض الأحيان صورة شديدة السلبية، من خلال أخبار أو معطيات لا يظهر دائماً أن لها أساساً موثقاً، بما قد يساهم في إثارة مخاوف المواطنين وزعزعة ثقتهم في مؤسسة صحية لا تزال حديثة العهد.
والأكثر إثارة للتساؤل أن هذا الخطاب لا يقف دائماً عند حدود انتقاد المستشفى، بل يتزامن في بعض الحالات مع الترويج، عبر المنصات نفسها، لخدمات بعض المصحات الخاصة بمدينة أكادير. وهذه المفارقة، التي قد لا ينتبه إليها المواطن العادي وسط سيل المضامين المتداولة، تستحق أن تكون موضوع نقاش جدي حول طبيعة الخطاب الصحي الذي يصله عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وحول الجهات التي تقف وراء بعض هذه المضامين أو تستفيد من انتشارها.
فحين يتم التركيز بشكل متواصل على سلبيات مؤسسة صحية عمومية، مع تبخيس مجهودات أطبائها وممرضيها وإدارييها، وفي الوقت نفسه تسويق صورة أكثر إيجابية عن مؤسسات خاصة، يصبح من حق الرأي العام أن يطرح أسئلة حول خلفيات هذا التناقض.
والواقع أن المواطن قد لا تكون أمامه دائماً كل هذه المعطيات، فهو يرى منشوراً أو مقطعاً مصوراً ينتقد المستشفى، وقد يتلقاه عشرات المرات عبر منصات مختلفة، فيتكون لديه انطباع سلبي عن المؤسسة، دون أن يعرف بالضرورة مصدر المعلومة أو سياقها أو مدى دقتها، ودون أن يلتفت إلى أن هناك في المقابل أطباء وممرضين وإداريين يشتغلون يومياً ولساعات طويلة من أجل تقديم الخدمات للمرضى.
وهنا تحديداً، ينبغي التفريق بين النقد الذي يخدم المواطن، وبين خطاب قد ينتهي إلى ضرب الثقة في المرفق الصحي العمومي. فانتقاد الاختلالات والمطالبة بتحسين الخدمات حق مشروع، بل وضروري، لكن تبخيس عمل مؤسسة بأكملها وأطرها على أساس وقائع غير موثقة لا يمكن أن يكون في مصلحة المواطن ولا في مصلحة الصحة العمومية.
وفي المقابل، هناك مواطنون تلقوا العلاج داخل المستشفى الجامعي محمد السادس، وقضوا أياماً داخله، وكانت لهم شهادات مختلفة حول الخدمات والرعاية الصحية التي تلقوها، حيث أكد بعضهم أن مستوى التكفل الطبي والتمريضي كان في المستوى المطلوب، إلى جانب ظروف النظافة والإمكانيات المتوفرة داخل المؤسسة.
كما أن أي تقييم موضوعي للمستشفى لا يمكن أن يتجاهل الضغط الكبير الذي يشتغل تحته، خاصة بعد إغلاق مستشفى الحسن الثاني الجهوي لإخضاعه لأشغال الإصلاح وإعادة التأهيل، وهو ما جعل المستشفى الجامعي أمام مسؤولية مضاعفة في استقبال المرضى والتكفل بحالات قادمة من مناطق واسعة.
لا أحد يقول إن المستشفى الجامعي محمد السادس مؤسسة خالية من النقائص، ولا إن كل الخدمات بلغت الكمال. فالانتقاد حق، ومطالبة الإدارة بتحسين الخدمات واجب، ورصد الاختلالات ومساءلة المسؤولين عنها أمر طبيعي داخل أي مؤسسة عمومية، لكن الإنصاف يقتضي أيضاً أن يتم تقييم التجربة على أساس معطيات دقيقة وموضوعية، لا على أساس ما ينتشر فقط في منصات التواصل الاجتماعي.
واليوم، فإن المواطنين مدعوون بدورهم إلى الانتباه إلى مصادر المعلومات التي تصلهم، وعدم التعامل مع كل ما ينشر على المنصات الرقمية باعتباره حقيقة نهائية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمؤسسة صحية وبسمعة أطباء وممرضين وأطر إدارية يزاولون مهامهم يومياً في خدمة المرضى.
فالمطلوب ليس تلميع صورة المستشفى بشكل مصطنع، ولا غض الطرف عن أي اختلالات قد توجد داخله، وإنما المطلوب هو إنصاف هذه التجربة، ومواكبتها بالنقد المسؤول، ودعم الأطباء والممرضين وباقي الأطر التي اختارت الاشتغال داخل هذا الورش الملكي.
إن المستشفى الجامعي محمد السادس بأكادير يمثل اليوم ورشاً صحياً استراتيجياً للمنطقة، ونجاحه مسؤولية جماعية، كما أن تطوير خدماته وتحسين ظروف العمل داخله مسؤولية المؤسسات الوصية وكل المتدخلين.
وبين النقد المشروع والتبخيس، يبقى السؤال مفتوحاً، من له “الفضل” في تقديم صورة سلبية عن هذا الصرح الملكي، ومن المستفيد من إضعاف ثقة المواطن في الصحة العمومية، في الوقت الذي يتم فيه الترويج لمؤسسات صحية خاصة عبر المنصات نفسها؟
السؤال مشروع، لكن الجواب لا ينبغي أن يكون بالتخمين أو الاتهام، وإنما بالمعطيات والوقائع والشهادات، لأن الرهان في النهاية أكبر من مؤسسة واحدة، إنه رهان على الصحة العمومية، وعلى إنجاح ورش ملكي يفترض أن يكون المواطن أول المستفيدين منه.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع موقع رداربريس الإخباري لمعرفة جديد الاخبار