أخبار

تمخض الجبل فولد فأراً.. البام يبدأ “الدوباج” بـ”لقجع” من سوس ويسعى لصناعة قطبية انتخابية مع أخنوش

تمخض الجبل فولد فأراً.. هكذا يمكن اختصار البداية التي اختارها حزب الأصالة والمعاصرة لتحركه الجديد بجهة سوس ماسة، بعدما حل وفد حزبي بالجهة يتقدمه الوافد الجديد على الحزب فوزي لقجع، وسط تعبئة سبقت الزيارة، وانتظارات حاول البعض رفع سقفها إلى حدود الحديث عن إعادة رسم موازين القوى السياسية والانتخابية بالمنطقة.

فالوفد، الذي ضم عدداً من قيادات ووجوه الحزب، حل بجهة سوس ماسة في تحرك يواكبه العربي المحرشي، القيادي في الأصالة والمعاصرة، والذي غاب بشكل لافت عن واجهة التحركات السياسية طيلة جزء كبير من الولاية الحالية، ليعود إلى الظهور بالتزامن مع التحاق، أو بالأحرى “إلحاق”، فوزي لقجع بحزب الجرار.

وإذا كان من حق أي حزب سياسي أن يتحرك حيث شاء، وأن يعقد لقاءاته التنظيمية والسياسية في أي منطقة من مناطق المملكة، وأن يستقطب ما يستطيع من الأعيان والمنتخبين والفاعلين، باعتبار ذلك جزءاً من العمل السياسي الذي يكفله الدستور والقوانين المنظمة للأحزاب والانتخابات، فإن توقيت تحرك البام ومكانه وطريقة الإعداد له تطرح أكثر من سؤال سياسي.

فالوفد اختار الإقامة بأحد الفنادق الكبرى بأكادير، في الوقت الذي يتواجد فيه رئيس الحكومة ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار عزيز أخنوش بإقامته بأحد المنتجعات السياحية بالمنطقة، قبل أن تتجه الأنظار إلى اللقاءات التي عقدها وفد الأصالة والمعاصرة، ومن بينها لقاء بأكادير احتضنه، بحسب المعطيات المتوفرة، منزل صهر برلماني عن إقليم تارودانت ينتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار.

وهنا تبدأ المفارقة، فالحزب الذي يراد تقديم تحركه بسوس ماسة باعتباره بداية زحف انتخابي جديد، يجد نفسه في أولى محطاته بالجهة يستعين بفضاءات مرتبطة، بشكل أو بآخر، بمحيط منتخبين ينتمون إلى الحزب الذي يفترض أنه يستعد لمنافسته انتخابياً.

والأكثر إثارة للانتباه أن أول نشاط لفوزي لقجع في هذه الجولة تقرر أن يكون بدائرة تزنيت، أي في واحدة من أهم القلاع السياسية والانتخابية المرتبطة بعزيز أخنوش، وهو اختيار يصعب فصله سياسياً عن الرسائل التي يريد البام توجيهها في هذه المرحلة.

لكن السؤال هو، هل يكفي اختيار تزنيت لإعلان بداية المعركة؟ المعطيات المتوفرة تفيد بأن الأيام التي سبقت الزيارة عرفت اتصالات مكثفة بعدد من الأعيان والفاعلين بالمنطقة، وأن البحث عن فضاء يحتضن لقاء الوفد لم يكن بالسهولة التي قد توحي بها الصورة التي يراد تسويقها عن وجود موجة التحاق واسعة بالمشروع الجديد المرتبط بلقجع، قبل أن تنتهي الاتصالات، بعد عناء، بإقناع أحد رجال الأعمال بفتح بيته أمام الوفد، ما يجعل مجموعة من التساؤلات الأخرى مطروحة بقوة، هل إلى هذه الدرجة يقض عزيز أخنوش مضجع خصومه في سوس ماسة؟ وهل اختار الأصالة والمعاصرة تزنيت تحديداً للرد سياسياً على العبارة الشهيرة لأخنوش “اللي عندو عندو واللي ما عندوش ما عندوش”؟ أم أن ما يجري ليس سوى محاولة لصناعة قطبية انتخابية جديدة، قد تبدو قوية في الصور والتحركات واللقاءات، لكنها لم تختبر بعد في الميدان ولا في صناديق الاقتراع؟

هذه الأسئلة تزداد مشروعية إذا استحضرنا أن التجمع الوطني للأحرار يدخل المرحلة الأخيرة من الولاية الحكومية وهو يتحمل كلفة تدبير خمس سنوات كاملة، بما لها وما عليها، ومع ذلك لا تظهر، إلى حدود الساعة، مؤشرات كافية تسمح بالجزم بأن الحزب انهار تنظيمياً أو انتخابياً، خصوصاً داخل عدد من معاقله التقليدية.

وهنا تكمن معضلة خصوم أخنوش، فمنافسة التجمع الوطني للأحرار لا تتم بمجرد استقطاب اسم ثقيل أو تنظيم جولة حزبية أو طرق أبواب الأعيان، وإنما ببناء امتداد تنظيمي حقيقي، واستقطاب سياسي واضح، وإقناع الناخبين بوجود بديل قادر على الصمود إلى غاية يوم الاقتراع.

وفوزي لقجع، مهما حاول البعض الترويج له واستغلال المنجزات التي يقودها الملك على المستوى الرياضي، وأيضا استغلال حضوره داخل مؤسسات الدولة وفي المشهد العام، يدخل اليوم امتحاناً مختلفاً تماماً، فالسياسة ليست كرة قدم، والانتخابات ليست مباراة يمكن حسمها بالأسماء وحدها، كما أن الشعبية العامة أو الحضور المؤسساتي لا يتحولان آلياً إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع.

ثم إن القانون واضح في هذا الباب، التنافس الانتخابي يجب أن يجري داخل القواعد التي يحددها القانون، وفي إطار المساواة بين المتنافسين واحترام حرية الاختيار ومنع كل أشكال الضغط أو التأثير غير المشروع على الناخبين أو المرشحين. لذلك، فإن أي حديث متداول عن “ضغوط” أو وسائل غير مشروعة لا يمكن التعامل معه كحقيقة ثابتة دون أدلة، ويبقى في دائرة الادعاء السياسي إلى أن تثبته وقائع قابلة للتحقق أو تتدخل بشأنه الجهات المختصة.

لكن بعيداً عن الجانب القانوني، يبقى السؤال السياسي قائماً، هل يتوفر البام فعلاً على مشروع انتخابي قادر على منافسة الأحرار في سوس ماسة، أم أنه يعيد إنتاج الوصفة نفسها التي جُربت في محطات سابقة، أسماء وازنة، تعبئة كبيرة، استقطاب للأعيان، وضجيج سياسي يسبق الانتخابات، قبل أن تأتي صناديق الاقتراع بنتائج أقل بكثير من سقف الانتظارات؟

فالأصالة والمعاصرة يعرف أكثر من غيره أن “الدوباج” السياسي وحده لا يصنع انتصاراً انتخابياً، وأن الحزب عاش في مراحل سابقة تجارب رفعت فيها التوقعات إلى مستويات قياسية، قبل أن تنتهي بخيبات فرضت عليه مراجعات داخلية وإعادة ترتيب أوراقه. واليوم، يبدو أن الحزب يريد العودة إلى الواجهة بقوة، وهذه المرة بورقة فوزي لقجع، لكن البداية من سوس ماسة، ومن تزنيت تحديداً، تجعل المعركة أكثر تعقيداً مما قد يعتقده البعض.

لأن السؤال لم يعد فقط ماذا يستطيع لقجع أن يضيف إلى البام؟ بل أصبح أيضاً، ماذا يستطيع البام أن يقدم للقجع حتى لا يتحول اسمه إلى مجرد ورقة انتخابية أخرى تُستهلك في معركة صناعة “قطبية” مع أخنوش؟ وإذا كان الهدف هو إثبات أن “اللي عندو عندو واللي ما عندوش ما عندوش” لم تعد قاعدة صالحة في انتخابات 2026، فإن الجواب لن تقدمه الفنادق الفخمة، ولا صور اللقاءات، ولا تحركات الأعيان، ولا فتح المنازل أمام الوفود الحزبية.

الجواب الحقيقي سيكون في الميدان، ثم في صناديق الاقتراع، وإلى ذلك الحين، فإن كل هذا الضجيج الذي سبق أولى تحركات الوافد الجديد على البام بسوس ماسة يجعل السؤال مشروعاً، هل بدأ فعلاً زحف الجرار نحو معقل أخنوش، أم أن الجبل، بعد كل هذا المخاض، لن يلد في النهاية سوى فأر؟

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع موقع رداربريس الإخباري لمعرفة جديد الاخبار